يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
أوروبا المرعوبة المنافقة
مواقف الدول الأوروبية ورد فعلها على اقدام الرئيس الأمريكي ترامب بالعدوان على فنزويلا واختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، يستحق التوقف عنده مطولا. هذه المواقف تكشف الكثير عن ازمة الدول الأوربية في الوقت الحاضر ومكانتها في النظام الدولي.
في البداية بمجرد إعلان ما فعله ترامب في فنزويلا خرجت تصريحات من العواصم الاوروبية ومن الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية متسرعة ومرتبكة وبلا معنى في الحقيقة.
البعض تحدث عن ان الرئيس الفنزويلي «لا شرعية له» أصلا، وان أوروبا لم تعترف به. البعض الآخر تحدث عما اسماه «امل جديد» لفنزويلا والشعب الفنزويلي بعد ما حدث. والبعض قال إن الوقت غير مناسب لمناقشة قانونية الإجراءات الأمريكية. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس مثلا: ان «التقييم القانوني للتدخل الأمريكي معقد ويتطلب دراسة دقيقة».
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس: إن الاتحاد يؤكد عدم شرعية مادورو ودعمه لانتقال سلمي، لكنها شددت على أن احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يجب أن يظل ثابتًا «في جميع الظروف». أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فركزت على المرحلة المقبلة، مؤكدة تضامن الاتحاد مع الشعب الفنزويلي ودعمه لأي انتقال ديمقراطي يحترم الشرعية الدولية.
هذه المواقف الأوروبية المرتبكة والعامة جدا سرعان ما تغيرت.
فجأة وجدنا قادة أوروبيين يدلون بتصريحات يعتبرون فيها ان ما فعله ترامب في فنزويلا حق للقانون الدولي والمواثيق الدولية ولا شرعية له، وانه يجب احترام القانون الدولي والأمم المتحدة ومواثيقها، ويتحدثون عن ضرورة احترام سيادة الدول واستقلالها وعدم انتهاكها بالقوة.. وهكذا.
هذا التحول في المواقف الأوروبية مثير للسخرية حقا ويجسد قمة النفاق الأوروبي. منذ متى كانت أوروبا مدافعة عن القانون الدولي والمواثيق الدولية وعن السيادة والاستقلال واحترام حقوق الانسان؟.. أين كان كل هذا في حرب إبادة غزة؟. الدول الأوروبية شاركت في حرب ابادة غزة فعليا، ولم نسمع أيا من قادتها يتحدثون طوال الحرب اطلاقا عن القانون الدولي وعدم شرعية استخدام القوة والسيادة واحترام حقوق الانسان. ليس لأوروبا أي مصداقية أصلا حين يتعلق الأمر بالدفاع عن القانون الدولي.
المهم ان هذا التحول في المواقف الأوروبية كان وراءه تطوران مهمان:
الأول: موقف الرأي العام الأوروبي واغلبية المحللين وكثير من الساسة والذي اظهر رفضا عاما لما فعله ترامب وتعديه على القانون الدولي وتنديدا بالمواقف الأوروبية.
والثاني: وهو الأهم ما سارع ترامب بإعلانه فور اختطاف الرئيس الفنزويلي من ان الأمر لا علاقة له بمصلحة شعب فنزويلا والحكم هناك، وانما يرتبط بمخطط للسيطرة على النفط والثروات الفنزويلية، ومن ان هناك قائمة أخرى من الدول يمكن ان تفعل فيها امريكا نفس الشيء. وحديث ترامب عن إصراره على السيطرة على جرينلاند.
هذا الذي أعلنه ترامب اثار رعب الدول الأوروبية. اثار رعبها ليس بسبب فنزويلا بحد ذاتها وانما خوفا من ان يستخدم ترامب نفس الأسلوب مع الدول الأوروبية لفرض ما يريد عليها. بعض الساسة الأوروبيين اعترفوا مثلا ان ترامب لو استولى فعلا على جرينلاند ولم تفعل الدول الأوروبية أي شيء، فسوف تكون هذه نهاية الاتحاد الأوروبي. ومما يضاعف رعب أوروبا ان ترامب أعلن أصلا قبل ذلك سياسات معينة يريد املاءها على الدول الأوروبية وفي مقدمتها ما يتعلق بقضية الهجرة التي اعتبر انها تدمر أوروبا.
خلاصة الأمر ان اوروبا المرعوبة المنافقة أصبحت عاجزة عن ان تدافع حتى عن نفسها. لا هي قادرة على تحدي ترامب مباشرة والدفاع عن استقلاليتها وعن مصالحها. ولا هي قادرة على التوافق مع ترامب بما من شأنه أيضا حفظ مكانتها ومصالحها. هذا الحال الذي وصلت اليه أوروبا هو أحد أكبر اركان انهيار النظام الدولي، وله تبعات خطيرة على الأوضاع والتطورات العالمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك